تعيش العاصمة السعودية الرياض مفارقة لافتة، إذ تستمر الحياة اليومية بوتيرتها المعتادة رغم تصاعد الهجمات الحوثية بالصواريخ، في وقت تواجه فيه المملكة تساؤلات متزايدة بشأن فاعلية منظومتها الدفاعية وشبكة شراكاتها الأمنية المتنامية. ويرى الكاتب جيمس موس، في مقاله، أن السعودية وسّعت علاقاتها الدفاعية والدبلوماسية خلال السنوات الماضية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذه الشراكات إلى ضمانات أمنية كافية لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.
نشر موقع «أتلانتيك كاونسل» في ظل تعرض المملكة لهجمات حوثية متكررة، طالت مطار الرياض الدولي ثلاث مرات خلال ثلاثة أيام، وأسفرت، وفقًا لما أورده المقال، عن مقتل 12 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 300 آخرين. ورغم إغلاق المطار وتعليق الدراسة والعمل الحضوري في عدد من المؤسسات، تبدو الحياة في شوارع العاصمة ومقاهيها وكأنها تسير بصورة طبيعية، في مشهد يعكس تمسك السعوديين بمسار التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده بلادهم.
شركاء جدد وتحالفات متعددة.. لكن التهديدات مستمرة
عملت السعودية خلال العقد الماضي على تنويع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، بعدما شهدت علاقاتها مع الولايات المتحدة تقلبات، وتحولت علاقاتها مع بعض جيرانها في مجلس التعاون الخليجي تدريجيًا من الشراكة إلى التنافس. واتجهت الرياض نحو تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، وسعت إلى إبرام اتفاقات دفاعية جديدة مع فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، بهدف استكمال الدعم الأمريكي وعدم الاعتماد على شريك واحد.
وفي أغسطس، دخلت السعودية في اتفاق مكة الدفاعي الذي جمعها بباكستان وتركيا، وهو اتفاق صُمم على غرار حلف شمال الأطلسي، وينص على أن الهجوم على إحدى الدول المشاركة يُعد هجومًا على الجميع. وكان الهدف من الاتفاق تعزيز الردع وإظهار تحول استراتيجي في علاقات الدول الثلاث، لكن الهجمات الحوثية التي استهدفت المملكة بعد شهرين فقط وضعت الاتفاق أمام أول اختبار حقيقي، لم تظهر نتائجه حتى الآن بالمستوى المتوقع.
وكانت باكستان قد نشرت نحو 8 آلاف جندي، إلى جانب سرب من الطائرات المقاتلة وطائرات مسيّرة ومنظومة دفاع جوي صينية الصنع، في السعودية قبل توقيع الاتفاق بأشهر. وفي اليوم التالي للهجمات، تعهدت إسلام آباد بإرسال قوات إضافية، لكنها لم تحدد عددها، كما استبعدت علنًا نشر قوات في اليمن حتى الآن.
أما تركيا، فتقدم للسعودية معدات للدفاع الجوي ومعلومات استخباراتية وطائرات مسيّرة ومساعدات تقنية أخرى، لكن البرلمان التركي لم يصادق بعد على الاتفاق. وعلى الرغم من التصريحات التي تؤكد التضامن بين الدول الثلاث، لا تبدو باكستان وتركيا مستعدتين للمشاركة في حملة عسكرية أوسع داخل اليمن، كما لا يزال مدى دمج مساهماتهما في منظومة الدفاع الجوي السعودية غير واضح.
وفي المقابل، تظل الولايات المتحدة الشريك الأمني الأهم للرياض، إذ توفر الأسلحة والتدريب والدعم التقني والمعلومات الاستخباراتية التي يصعب على المملكة الاستغناء عنها. وتعتمد الدفاعات السعودية في مواجهة الصواريخ على منظومتي «باتريوت» و«ثاد» الأمريكيتين، فيما كثفت واشنطن دعمها العسكري خلال العامين الماضيين.
وأعلنت الولايات المتحدة في مايو 2025 صفقة مبيعات دفاعية بقيمة 142 مليار دولار، ثم وقعت اتفاقًا جديدًا للتعاون الدفاعي الاستراتيجي مع السعودية بعد ستة أشهر. ومع بداية العام الحالي، صنفت واشنطن الرياض رسميًا حليفًا رئيسيًا من خارج حلف شمال الأطلسي.
لكن هذه الشراكة الواسعة لا تعني وجود ضمانة أمنية أمريكية ملزمة بالدفاع عن السعودية في حال تعرضها لهجوم. ومع استمرار الهجمات الحوثية وتراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية، بات الفرق بين الدعم العسكري والالتزام الأمني المباشر مسألة ذات تكلفة بشرية متزايدة على المملكة، بحسب المقال.
وتؤدي دول أوروبية دورًا إضافيًا، لكنه لا يصل أيضًا إلى مستوى الضمانات الأمنية الشاملة. فقد نشرت إيطاليا أنظمة للدفاع الجوي في السعودية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وبدأت فرنسا نشر قوات في ينبع لحماية البنية التحتية للطاقة، بينما توفر بريطانيا خدمات التزود بالوقود جوًا للطائرات العسكرية. وتتكامل هذه الجهود مع العمليات الأمريكية، لكنها لم تمنع وقوع بعض أشد الهجمات الحوثية دموية على الأراضي السعودية خلال السنوات الأخيرة.
إخفاق الدفاعات الجوية يثير تساؤلات حول جاهزية السعودية
يرى عدد من المحللين أن السعودية تمتلك تجهيزات عسكرية متقدمة، ولا تتفوق عليها إقليميًا في هذا المجال سوى إسرائيل. ومع ذلك، نجحت الصواريخ الحوثية في اختراق الدفاعات والوصول إلى أهداف داخل المملكة، ما يثير تساؤلات حول قدرة أنظمة القيادة والسيطرة السعودية على التعامل مع كثافة التهديدات المتزامنة.
وتشير بعض التقارير إلى تطور قدرات الحوثيين الهجومية وتحسن قدرتهم على اختراق الرادارات والمنظومات الاعتراضية. وحتى أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا لا توفر حماية كاملة، كما أظهرت قدرة حركة حماس على اختراق المجال الجوي الإسرائيلي خلال الحرب في غزة. لكن تكرار الإخفاق في حماية منشآت حيوية، مثل المطارات، يمثل تطورًا غير مسبوق بالنسبة إلى السعودية، وفقًا لما يطرحه المقال.
ويتوقع الكاتب أن يزداد الوضع صعوبة في ظل تناقص مخزونات الصواريخ الاعتراضية. ففي سبتمبر، طلبت المملكة، بحسب تقارير أوردها المقال، تعزيزات إضافية للدفاع الجوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، بعد أشهر من استهداف إيران السفارة الأمريكية في الرياض، لكن أيًا من هذه الدول لم يستجب للطلب.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع تراجع المخزونات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية أيضًا، ما يضع حدودًا أمام قدرة واشنطن على تلبية احتياجات حلفائها وشركائها في المنطقة. ويعني ذلك أن السعودية لا تواجه تحديًا في تنويع مصادر الدعم فحسب، بل تواجه كذلك محدودية الموارد المتاحة لحماية أجوائها في ظل استمرار الهجمات.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في شبكة الشراكات السعودية في عدم استعداد أي من الشركاء، على الأقل بصورة معلنة، للمشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن. فالرياض تدعم حاليًا هجومًا بريًا تشنه القوات الحكومية اليمنية على الحوثيين، أُعلن عنه في 5 أكتوبر، من خلال تنفيذ ضربات جوية، بينما توفر الولايات المتحدة معلومات استخباراتية وتقدم باكستان وتركيا معدات عسكرية.
وتبدي هذه الدول استعدادًا لتقديم الدعم الدفاعي داخل الأراضي السعودية، لكن الحماسة للمشاركة في غزو بري لليمن تظل محدودة. وتكمن المشكلة في أن تعزيز الدفاعات الجوية وحده لا يكفي للقضاء على قدرة الحوثيين على إطلاق المزيد من الهجمات، ما يترك المملكة أمام تهديد مستمر حتى مع تعدد شركائها العسكريين.
وقد يتغير هذا الموقف، إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه سيدرس الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين. لكن الكاتب يستبعد أن تفتح واشنطن جبهة عسكرية جديدة في المنطقة قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصًا بعدما استبعد ترامب تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران قبل الانتخابات.
ومع ذلك، لا يرى المقال أن الحل العسكري وحده قادر على إنهاء التهديد. فقد صمد الحوثيون أمام عقود من الضغوط العسكرية، ولا يزالون يسيطرون على مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، كما وسعوا نفوذهم على جزء من مضيق باب المندب في سبتمبر. وعلى عكس السعودية، التي يرتبط استقرارها بصورة مباشرة بقدرتها على جذب الاستثمارات وتحقيق التحول الاقتصادي، لا يبدو أن لدى الحوثيين الكثير مما يخشون خسارته.
من جمع التحالفات إلى تنسيقها.. الأمن السعودي يحتاج إلى الدبلوماسية
يخلص الكاتب إلى أن زيادة عدد الشركاء الأمنيين لن تحقق بالضرورة الحماية التي تسعى إليها السعودية، ما لم تنتقل الرياض من مجرد جمع الاتفاقات والتحالفات إلى دمجها في منظومة متكاملة. ويتطلب ذلك إنشاء آليات تنسيق أكثر فاعلية، وتحديدًا أوضح لما يستطيع كل شريك تقديمه عندما تتعرض المملكة لهجوم، بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية العامة التي تؤكد التضامن.
ومن جانبها، ينبغي لواشنطن إعطاء الأولوية لاستعادة قدراتها الدفاعية وتعزيز قدرات حليفتها الرئيسية في الخليج. كما يتعين عليها الاضطلاع بدور قيادي أكبر في المنطقة، عبر مساعدة السعودية على تنسيق شبكة شركائها الأمنيين المتنامية ودمج مساهماتهم في منظومة دفاعية أكثر فاعلية.
وفي نهاية المطاف، يرجح المقال أن التهديد الذي يمثله الحوثيون وإيران لن يُحسم بالوسائل العسكرية وحدها، وأن تحقيق أمن سعودي مستدام يتطلب الجمع بين الردع والدبلوماسية. فقد نجحت المملكة حتى الآن في تنويع شراكاتها الأمنية، لكن التحدي الأصعب يتمثل في تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى حماية فعلية على الأرض.
وبحسب المقال، لا يكفي أن توسع السعودية شبكة علاقاتها الدفاعية كي تصبح أكثر أمنًا؛ بل يتعين عليها التأكد من أن هذه العلاقات تعمل معًا، وأن تتحول التعهدات السياسية إلى استجابة عملية عند وقوع الهجمات. وبينما تواصل المملكة مساعيها لإعادة تشكيل اقتصادها ومجتمعها، سيظل نجاح هذا المشروع مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين الدفاع الفعال والتنسيق الدولي والحلول الدبلوماسية للأزمات الإقليمية.
https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/saudi-arabia-has-more-security-partners-than-ever-so-why-isnt-it-safer/

